تكتسب أحداث سبتة رمزية إضافية لأنها تزامنت مع عيد العرش، ذكرى اعتلاء الملك محمد السادس العرش قبل 27 عاما. وبينما كان الخطاب الرسمي يحتفي بمنجزات ثلاثة عقود من الحكم، كانت آلاف الصور القادمة من الحدود الشمالية للمغرب، على بعد أمتر فقط من القصر الملكي، توثق شبابا يندفعون في الاتجاه المعاكس؛ ليس نحو الداخل، بل نحو الخارج ليس بحثا عن الاحتفال، بل عن مخرج للهروب من الحفل!
لم تكن الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة في أقصى الشمال المغربي يومي 30 و31 يوليوز 2026 مجرد حادثة جديدة في سجل الهجرة غير النظامية بين المغرب وإسبانيا، بل بدت أقرب إلى انفجار اجتماعي عابر للحدود. ففي غضون ساعات، اندفع عشرات الآلاف من المغاربة، أغلبهم من الشباب، وبينهم قاصرون ونساء، نحو الجيب الإسباني، سباحة عبر البحر أو عبر المعابر البرية، في واحدة من أكبر حركات العبور الجماعي التي شهدتها الحدود الأوروبية خلال فترة زمنية قصيرة.
وقدرت السلطات الإسبانية لاحقا عدد الذين دخلوا سبتة خلال يومي الأزمة بنحو 72 ألف شخص، قبل أن ترفع الحكومة الإسبانية، في تحديث صدر في 13 غشت، تقديراتها إلى نحو 80 ألفا، عاد نحو 90 في المائة منهم إلى المغرب، فيما بقي بين سبعة وتسعة آلاف شخص في سبتة. وتقول الحكومة إن نحو 2500 من هؤلاء قاصرون، بينهم قرابة 600 فتاة.
أما الخسائر البشرية، فقد أصبحت هي الأخرى موضوعا لتباين حاد في المعطيات. ففي حين ارتفع العدد الذي أعلنته السلطات الإسبانية إلى 72 قتيلا في بداية غشت، ثم إلى ما لا يقل عن 96 قتيلا في أحدث المعطيات التي أوردتها رويترز في 12 غشت، أعلنت السلطات المغربية رسميا مقتل 11 شخصا فقط في التراب المغربي، عشرة منهم غرقا وواحدا إثر سقوط. وتحدثت السلطات الإسبانية في مراحل سابقة عن وجود عشرات الجثث في مستودعات الأموات بسبتة، بينما رفعت منظمات مغربية حقوقية الحصيلة الإجمالية للقتلى على جانبي الحدود إلى أرقام أعلى بكثير، ما يجعل مسألة تحديد العدد النهائي للضحايا إحدى أكثر القضايا إلحاحا في هذه المأساة.
في الرواية الإسبانية، لم تكن العملية عفوية بالكامل. فقد تحدث المسؤولون عن استغلال شبكات الاتجار بالبشر لمعلومات مضللة انتشرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وعن سوء فهم لحكم للمحكمة العليا الإسبانية يتعلق بإجراءات إعادة المهاجرين الذين يصلون بحرا. وذهبت تحليلات إسبانية إلى أن إشاعات حول فتح الحدود أو إمكانية البقاء في إسبانيا شجعت آلاف الشباب على التوجه بصورة جماعية نحو سبتة.
أما الرواية المغربية الرسمية، التي لم تصدر إلا بعد أيام من الصمت، فقد حملت المسؤولية أساسا إلى “الاستغلال المغرض للفضاء الرقمي” وترويج معلومات مضللة وعصابات الاتجار بالبشر والتأويلات الخاطئة لمعطيات قانونية وإدارية. وأكدت وزارة الداخلية أن الأحداث لم تكن وليدة عوامل ظرفية أو تلقائية.
لكن ما يلفت النظر ليس فقط اختلاف الروايتين، وإنما طريقة إدارة الأزمة نفسها.
دولتان أمام الأزمة: نقاش في مدريد وصمت في الرباط
في إسبانيا، تحولت سبتة خلال ساعات إلى قضية وطنية. تحرك رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، ووزير الداخلية، ووزيرة الدفاع، ووزيرة الشباب والطفولة، ومسؤولو المدينة، كما دخلت المعارضة وأحزاب اليمين واليمين المتطرف على خط الأزمة. ونشأ نقاش سياسي واسع حول أمن الحدود، والهجرة، والتعامل مع القاصرين، ومسؤولية الحكومة المركزية، وحدود سياسة إعادة المهاجرين.
ولم يقتصر النقاش على إسبانيا؛ فقد امتد إلى الاتحاد الأوروبي، حيث عقد وزراء الداخلية اجتماعا طارئا، بينما طالبت دول أوروبية بمزيد من التنسيق وتشديد مراقبة الحدود ومكافحة شبكات تهريب البشر. كما تحولت الأزمة إلى مادة للصراع السياسي الداخلي الإسباني، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
في المقابل، بدا المشهد المغربي مختلفا جذريا. فقد خيم الصمت الرسمي على الحدث في أيامه الأولى، ولم يصدر عن رئاسة الحكومة أو البرلمان بغرفتيه أو المؤسسة الملكية موقف علني بشأن حجم الهجرة الجماعية أو الخسائر البشرية. حتى الإعلام الرسمي لم يمنح الحدث مساحة توازي حجمه، إلى أن صدر بلاغ وزارة الداخلية.
وهنا تبرز مفارقة سياسية لافتة؛ آلاف المواطنين المغاربة كانوا يعبرون الحدود في مشهد استثنائي، بينما بدت الدولة، في صورتها السياسية والإعلامية، وكأنها خارج الحدث.
الأكثر إثارة للانتباه أن الإعلان المغربي عن الضحايا لم يترافق مع كشف هوياتهم أو معلومات تفصيلية عن أسرهم ومصير جثامينهم، في حين ظلت الحصيلة الإسبانية للضحايا أعلى بكثير. وبينما كانت عائلات مغربية تبحث عن أبنائها المفقودين وتعرض صورهم قرب الحدود، كانت الدولة عاجزة، أو غير راغبة، في تقديم رواية شاملة ومقنعة للرأي العام. وحتى واجب العزاء الذي تفرضه التقاليد المغربية الإسلامية لم تقم به الدولة تجاه أسر الضحايا الذين مازالت جثاميهم مهملة في مستودعات الأموات بالمدينة المحتلة.
ووسط هذه المأساة، ربما يمثل القاصرون الجانب الأكثر حساسية. فقد سجلت السلطات الإسبانية أكثر من ألف قاصر غير مصحوب في الأيام الأولى، فيما وصلت تقديرات لاحقة إلى نحو 2500 قاصر. وبسبب النظام القانوني الإسباني، لا يمكن التعامل معهم بالطريقة نفسها التي يعامل بها البالغون، الأمر الذي جعل مراكز الاستقبال في سبتة تتجاوز طاقتها بعشرات المرات.
وتحدثت منظمات دولية وإسبانية عن أطفال وجدوا أنفسهم منفصلين عن أسرهم، وعن قاصرين ينامون في الشوارع أو الأماكن المفتوحة، وعن صعوبة تحديد هويات بعضهم ومصير آخرين. وفي الوقت نفسه، تعرضت السلطات الإسبانية لانتقادات بسبب ظروف الاستقبال وبسبب عمليات الإعادة، فيما اتهمت منظمات حقوقية السلطات المغربية باستخدام القوة لمنع محاولات العبور.
وهكذا وجد القاصر نفسه في قلب أزمة صنعتها سياسات الهجرة من جانبي المتوسط. دولة تدفعه ظروفها الاقتصادية والاجتماعية إلى الحدود للرحيل، ودولة أخرى تستقبله باعتباره مهاجرا غير نظامي، لكنها ملزمة قانونيا بحمايته عندما يكون قاصرا.
من سؤال “من نظم العملية؟” إلى سؤال “لماذا هربوا؟”
في بداية هذه الأزمة كان السؤال المهيمن على النقاش هو من نظم هذه الهجرة؟ وكيف؟ لكن، سرعان ما تجاوز النقاش سؤال كيفية حدوث الهجرة الجماعية إلى سؤال سياسي؛ لماذا هربوا؟. هكذا، ظهرت فرضيات تربط الأزمة بالعلاقات المغربية الإسبانية، وبالتقارب الإسباني الجزائري، وبالخلافات حول الصحراء، وبالوضع السياسي الإسباني، بل وبمواقف حكومة سانشيز من حرب الإبادة في غزة والحرب الأمريكية العدوانية على إيران. وذهبت بعض القراءات إلى الحديث عن احتمال استخدام الهجرة كسلاح جيوسياسي أو كوسيلة للضغط على مدريد.
غير أن هذه الفرضيات، مهما بدت مثيرة، لا ينبغي تحويلها إلى حقائق من دون أدلة. وحتى الآن، لا توجد أدلة علنية موثوقة تثبت أن إسرائيل أو الولايات المتحدة أو المغرب خططت للعملية أو وجهتها. بل إن تقارير صحفية وتحقيقات ركزت بدرجة أكبر على تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، والشائعات، وشبكات الاتجار، وسوء فهم وتأويل القرارات القانونية الإسبانية، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن العوامل الاجتماعية والاقتصادية شكلت البيئة التي جعلت آلاف الشباب مستعدين لتصديق تلك الشائعات.
ثم انتقل النقاش إلى ملف السيادة على سبتة ومليلية، عندما أعادت تصريحات مسؤولين مغاربة حول مغربية المدينتين القضية إلى الواجهة، فردت مدريد برفض أي نقاش حول سيادتها عليهما. وهذا المسار يذكّر، من حيث قابلية العلاقات المغربية الإسبانية للانفجار حول هذه الجيوب المحتلة، بأزمة جزيرة ليلى سنة 2002.
لكن تحويل أزمة إنسانية إلى مجرد معركة جيوسياسية قد يكون، في النهاية، طريقة للهروب من السؤال الأصعب.
الهجرة بوصفها مرآة للمجتمع المغربي
ويبقى السؤال الأكثر أهمية ليس فقط، من حرك هؤلاء الشباب؟ بل، لماذا كانوا مستعدين للهجرة أصلا؟ فالهجرة الجماعية إلى الجيوب المحتلة شمال المغرب ليست حدثا منفصلا. فقد سبقتها موجات جماعية، أبرزها الهجرة الجماعية سنتي 2021، و2024، ومحاولات أخرى أقل عددا خلال السنوات الأخيرة. ومنذ تسعينيات القرن الماضي لم تتوقف محاولات الوصول من المغرب إلى الضفة الأوروبية. وحتى نقيس الارتفاع الكبير لمنسوب الهجرة في السنوات الأخيرة يجب مقارنته بمعدلاتها المنخفضة عندما شهدت الظاهرة تراجعا ملحوظا في بداية عهد الملك محمد السادس الذي أعطى الأمل للشباب للثقة في بلدهم، لكن مع توالي سنوات من السياسات العمومية الفاشلة، بدأت الظاهرة تعود إلى الواجهة تدريجيا حتى وصلت إلى أكبر تجلياتها في أحداث سبتة الأخيرة.
واليوم تتداخل عدة عوامل لتغذية هذه الظاهرة، من ارتفاع معدلات البطالة خاصة في أوساط الشباب والنساء، وانتشار الهشاشة الاجتماعية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف فرص الارتقاء الاجتماعي، وتراجع الثقة في المؤسسات، وتفشي الفساد في جميع قطاعات الدولة، وتراجع الحريات والحقوق، وتشديد القبضة الأمنية، مع تأثير الصور القادمة من أوروبا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وهنا ينبغي فهم الهجرة باعتبارها أصبحت مؤشرا اجتماعيا، وليس مجرد مشكلة أمنية. فحين يصبح شاب أو فتاة في مقتبل العمر مستعدان للقفز في البحر وهما يعلمان احتمال موتهما، فإن الرد الأمني وحده لا يستطيع تفسير الظاهرة ولا القضاء عليها.
30 يوليوز: الصورة التي تختصر ثلاثين عاما
من هنا، تكتسب واقعة 30 يوليوز 2026 رمزية إضافية لأنها تزامنت مع عيد العرش، ذكرى اعتلاء الملك محمد السادس العرش قبل 27 عاما. وبينما كان الخطاب الرسمي يحتفي بمنجزات ثلاثة عقود من الحكم، كانت آلاف الصور القادمة من الحدود الشمالية للمغرب، على بعد أمتر فقط من القصر الملكي، توثق شبابا يندفعون في الاتجاه المعاكس؛ ليس نحو الداخل، بل نحو الخارج ليس بحثا عن الاحتفال، بل عن مخرج للهروب من الحفل!
قد تكون هذه الصورة أقسى من أي استطلاع للرأي، لأنها لا تقيس ما يقوله المواطنون، بل ما هم مستعدون لفعله. وهي لا تعني، بالطبع، أن عشرات الآلاف يمثلون المغرب كله أو أن الجميع يرفضون الدولة أو النظام؛ لكنها تكشف عن وجود شريحة واسعة، وخصوصا بين الشباب، باتت ترى في الخارج فرصة للحياة، وفي الداخل فضاء مسدود الأفق.
لقد استثمر المغرب خلال العقود الماضية في الطرق والموانئ والمطارات والملاعب والصناعات الكبرى، وهي إنجازات لا يمكن إنكارها. لكن التنمية لا تقاس فقط بما يبنى من إسمنت وحديد، بل أيضا بما ينتجه الاقتصاد من فرص، وما تمنحه الدولة من أمل، وما يملكه المواطن من شعور بالكرامة والقدرة على الثقة في مستقبله.
ومن هنا، تبدو المقولة الشعبية المغربية: “حتى مش ما كيهرب من دار العرس“ أكثر من مجرد استعارة في هذه الحالة. فإذا كان عيد العرش يُقدَّم باعتباره “العرس المغربي الكبير”، فإن آلاف الشباب اختاروا، في اليوم نفسه، الهروب من هذا “العرس”. والمفارقة ليست في أنهم هربوا فقط، بل في أنهم فعلوا ذلك أمام أنظار الدولة، وفي يوم احتفالها بإنجازاتها.
لذلك فإن الدرس الأهم في أزمة سبتة لا يكمن في عدد الذين عبروا، ولا في عدد الذين عادوا، ولا حتى في عدد الجثث التي انتُشلت من البحر وتلك التي فقدت إلى الأبد. الدرس الحقيقي هو أن بلدا يستطيع أن يمنع الهجرة بالقوة، لكنه لا يستطيع أن يمنع الرغبة في الهجرة بالقوة. وما لم يتحول النقاش من سؤال “من يقف وراء الهجرة؟” إلى سؤال “ما الذي يدفع الشباب إلى المخاطرة بحياتهم؟”، فإن الأزمة ستظل قابلة للتكرار. قد تكون الوجهة سبتة اليوم، أو البحر غدا، أو وسيلة أخرى لا يمكن التنبؤ بها بعد غد.
إن الهجرة الجماعية ليست المرض، وإنما أحد أعراضه. والمرض، في جوهره، هو أزمة ثقة وأفق وعدالة اجتماعية. ومن دون معالجة هذا العمق، سيظل البحر، بالنسبة إلى آلاف الشباب، أقل رعبا من المستقبل الذي ينتظرهم في وطنهم.


