تأثير فلسطين على الوحدة المغاربية

بعد أقل من سنة على اتفاق التطبيع بين المغرب وإسرائيل في ديسمبر 2020، زار وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد المغرب، وأعطى تصريحا كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر العلاقات المغربية الجزائرية، حين قال خلال مؤتمر صحافي بالدار البيضاء، يوم 12 غشت 2021، إن “إسرائيل والمغرب يشتركان في القلق من  دور الجزائر في المنطقة، خصوصا وأنها باتت أكثر ارتباطا بإيران. كما أن الجزائر تشن حملة ضد قبول إسرائيل عضوا مراقبا في الاتحاد الافريقي”.  

رد الجزائر جاء بعد 12 يوم، حَدِّيا ومتطرفا، بإعلان قطع العلاقات مع المغرب. ففي تصريحه المؤرخ بـ 24 غشت 2021، عاد وزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة، إلى التاريخ ليبرر إعلان قطع العلاقة مع المغرب، حين قال: “يجدر التذكير أن البيان المشترك الجزائري-المغربي الصادر في 16 ماي 1988، والذي يمثل الأساس والأرضية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، قد تمت صياغته ضمن أفق طموح ومسؤول، حيث تضمن 4 معايير هامة جعلت من تطبيع العلاقات بين البلدين أمرا ممكناً، وهذه الالتزامات الأربعة المنبثقة عن البيان المشترك الجزائري-المغربي تتلخص فيما يلي: (…) المساهمة في تعزيز الصف العربي حول القضية الفلسطينية المقدسة، بما يكرس الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وعلى رأسها حقه في إقامة دولته وتحرير جميع الأراضي العربية المحتلة، بما في ذلك مدينة القدس الشريف”. قبل أن يعود وزير الخارجية الجزائري للوقوف على تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي من المغرب، فقال: “من الواضح، اليوم، أن المملكة المغربية قد تخلت بصفة خطيرة وممنهجة، بشكل كلي أو جزئي، عن الالتزامات الأساسية التي تشكل القاعدة الأساسية والأرضية المرجعية التي تقوم عليهما عملية تطبيع العلاقات بين البلدين. لقد جعلت المملكة المغربية من ترابها الوطني قاعدة خلفية ورأس حربة لتخطيط وتنظيم ودعم سلسلة من الاعتداءات الخطيرة والممنهجة ضد الجزائر. آخر هذه الأعمال العدائية تمثل في الاتهامات الباطلة والتهديدات الضمنية التي أطلقها وزير الخارجية الإسرائيلي خلال زيارته الرسمية للمغرب، بحضور نظيره المغربي، الذي من الواضح أنه كان المحرض الرئيسي لمثل هذه التصريحات غير المبررة”. مضيفا: “وهنا تجب الاشارة إلى أنه منذ عام 1948 لم يُسمع أي عضو في حكومة إسرائيلية يصدر أحكامًا أو يوجه شخصيا رسائل عدوانية من أراضي دولة عربية ضد دولة عربية أخرى مجاورة، وهذا الأمر يتعارض مع كل الأعراف والاتفاقات الجزائرية-المغربية. تدل هذه الظاهرة على العداء الشديد والاندفاع المتهور دون أدنى قيد أو حدود”. وتابع وزير الخارجية الجزائري يقول: “وعلى صعيد الأمن الإقليمي، فإن قيام السلطات المغربية بمنح موطئ قدم لقوة عسكرية أجنبية في المنطقة المغاربية وتحريض ممثلها على الإدلاء بتصريحات كاذبة وكيدية ضد دولة جارة، يشكل عملا خطيرا وغير مسؤول ينتهك أحكام المادة 5 من معاهدة الأخوة وحسن الجوار والتعاون المبرمة بين الجزائر والمغرب، فضلا عن كونه يتنافى تماما مع الالتزامات التي تم التعهد بها بموجب البيان المشترك السالف الذكر. وواصل الوزير الجزائري قوله: “الفضيحة، التي لا تقل خطورة عن سابقتها، والمتعلقة ببرنامج “بيغاسوس” قد كشفت، بما لا يدع مجالا للشك، عمليات التجسس الكثيفة التي تعرض لها مواطنون ومسؤولون جزائريون من قبل الأجهزة الاستخباراتية المغربية مستعملة في ذلك هذه التكنولوجيا الإسرائيلية”. هكذا تسبب التطبيع بين المغرب وإسرائيل في قطع العلاقة بين البلدين الجارين، وتلته حملات اتهامات وتهديدات متبادلة، وحربا باردة مرشحة، حسب المراقبين، لتشتعل وتتحول إلى حرب حقيقية في أية لحظة، خصوصا وأن سباق التسلح بين البلدين تزايدت سرعته في السنوات الأخيرة، كما أن ميزانية دفاع الجارين الخصمين هي الأعلى في المنطقة، وعلى حساب التنمية التي تتراجع مؤشراتها وتخلق وضعا اجتماعياً هشا في البلدين. فالجزائر هي الأكثر إنفاقا على شراء الأسلحة في القارة الإفريقية، حيث توقع الموقع الإسباني المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية “DESCIFRANDO

LA GUERRA”، أن تصل ميزانية دفاعها لعام 2025 إلى نحو 24.27 مليار يورو، بزيادة قدرها 10 بالمئة عن العام السابق، يطاردها المغرب الذي خصص حوالي 12.3 مليار يورو، إنفاقا على التسلح، بزيادة 7.25 بالمئة مقارنة بعام 2024. 

فلسطين توحد المغرب الكبير

ما لا يعرفه الكثيرون، هو أن علاقة بلدان المغرب الكبير بالقضية الفلسطينية سبقت علاقة كثير من بلدان الشرق الأوسط بها. ويكفي أن محمد عز الدين القسام زعيم الثورة الفلسطينية (1883- 1935) استلهم من زعيم ثورة الريف بالمغرب الأمير محمد عبد الكريم الخطابي (1882- 1963) أساليب حرب العصابات. كما أن الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان هو من كتب نشيد الثورة الذي اتخذه الخطابي نشيدا رسميا لـ”جمهورية الريف” بشمال المغرب. وبعد نفي فرنسا لمحمد عبد الكريم الخطابي إلى جزيرة لارينيون، ثم استقراره بعدها في مصر، سوف يعلن الجهاد في فلسطين، في نونبر 1947، بل إن الخطابي سيبعث كتائب من المتطوعين لمقاومة البريطانيين في فلسطين المحتلة، بقيادة الكولونيل المغربي الهاشمي الطود، كان ضمنهم خمسة آلاف متطوع من المغرب الكبير. وهي كتلة المتطوعين التي سيعمل الخطابي فيما بعد، على جعلها أساسا لجيش تحرير المغرب العربي الذراع العسكري لـ”لجنة تحرير المغرب العربي” التي أعلن عنها يوم 5 يناير 1948. لقد جعل الأمير محمد عبد الكريم الخطابي من كتلة المتطوعين للجهاد في فلسطين نواة تأسيس جيش تحرير المغرب العربي، بعد تأسيسه مكتب المغرب العربي، ثم لجنة تحرير المغرب العربي التي ترأسها بنفسه في ديسمبر 1947، وتولى الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة مهمة أمينها العام في يناير 1948. 

 وإذا كانت القضية الفلسطينية قد ساهمت، في 1947، في بناء النواة الأولى للوحدة المغاربية، فإن زعيمين مغاربيين، الحبيب وبورقيبة والحسن الثاني، سرعان ما سيقطعان مع الروابط  التي ربط بها الأمير محمد عبد الكريم الخطابي بين تحرير فلسطين وتحرير بلدان المغرب الكبير، حين سيسعيان إلى الاستعانة بالإسرائيليين لتحرير قُطريهما، حيث بدأت الاتصالات التونسية الاسرائيلية منذ 25 يونيو 1952 خلال لقاء الباهي الادغم القيادي بالحزب الحر الدستوري الجديد في نيويورك بممثل اسرائيل في الامم المتحدة، حيث قام المبعوث التونسي بالتماس الدعم الاسرائيلي لمطلب الاستقلال التونسي. وفي نفس الشهر والسنة، دعا بورقيبة في حوار مع جريدة “لوموند” الفرنسية إلى ضرورة قيام الأطراف العربية بتسوية سياسية مع إسرائيل.  

وفي المغرب، انخرط ولي العهد الأمير الحسن (الملك الحسن الثاني لاحقا) مبكرا في علاقات سرية مع الإسرائيليين تُوجت بلقائه سنة 1960 بوفد إسرائيلي بالرباط لمناقشة مسألة تهجير اليهود المغاربة الى إسرائيل وهو الأمر الذي كانت تهدف إليه إسرائيل منذ 1956 لولا أنها اصطدمت برفض الحكومات المغربية، وخصوصا حكومة عبد الله إبراهيم (ديسمبر 1958- ماي 1960) التي عارضت تهجير اليهود لاعتبارين اثنين. أولا؛ انسجاما مع الموقف العربي الرافض لهجرة اليهود العرب الى إسرائيل. وثانيا؛ حرصا على الحفاظ على رؤوس الأموال اليهودية ضمن الدورة الاقتصادية المغربية، خاصة في تلك المرحلة المبكرة من الاستقلال. قبل أن ينقلب القصر على هذه الحكومة في ماي 1960، ويقود الملك محمد الخامس وولي عهده الأمير الحسن الحكومة حيث سيؤسس هذا الأخير علاقات سرية وعلنية مع إسرائيل لن تقتصر فقط على تهجير اليهود إلى إسرائيل.  

عكس المغرب وتونس، رفضت جبهة التحرير الوطني في الجزائر توسل إسرائيل للحصول على استقلال البلد، أو الحوار مع الكيان الإسرائيلي. فرغم تصريح فرحات عباس (القيادي في جبهة التحرير الوطني، وأول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة) خلال خطابه في الأمم المتحدة سنة 1957 بأن الثورة الجزائرية لا تمانع في هجرة اليهود الجزائريين إلى إسرائيل، فإن الثورة الجزائرية لم تسايره في ذلك ولم تتردد، سنة 1958، في إعدام اسرائيليين ضبطتهم  يحضرون لعملية تهجير لليهود نحو إسرائيل. وقبيل أسابيع من استقلال الجزائر في يوليوز 1962، لم تتردد الثورة الجزائرية أيضا في إعدام إسرائليين آخرين اكتشفت تورطهم في عملية تهجير كبيرة ليهود مدينة غرداية.  

وبالنسبة لليبيا وموريتانيا، فإن دورهما في مرحلة النضال من أجل الاستقلال عرف مسارات مختلفة عما كان عليه الأمر بالنسبة للمغرب والجزائر وتونس، كما أن تهجير يهود ليبيا إلى إسرائيل أشرفت عليه الإدارة البريطانية التي حكمت طرابلس من 1942 إلى حين استقلال ليبيا في 1951، بعد طرد الحلفاء للجيوش الإيطالية والألمانية. أما موريتانيا فقد عارض ممثلها أحمد ولد ببانه قرار التقسيم وصوت ضده في البرلمان الفرنسي صيف عام 1948، أي قبل استقلال موريتانيا بسنتين. كما أن المختار ولد دادا، أول رئيس موريتاني، كانت له مواقف منحازة لصالح القضية الفلسطينية. 

فلسطين تُفرِّق المغرب الكبير

في فبراير 1961 توفي ملك المغرب محمد الخامس، الذي كان يحظى باحترام الحركات التحررية في المغرب والجزائر وتونس، وخلفه الحسن الثاني الذي كان قد عمق علاقاته مع إسرائيل وهو ولي للعهد. وفي يوليوز 1962 حصلت الجزائر على استقلالها. وفي أكتوبر 1963 نشبت حرب الرمال بين المغرب والجزائر بسبب الحدود. وحسب كتاب “Israel and the Maghreb” للكاتب مايكل لاسكير، وهو يهودي أمريكي من أصول مغربية، فإن الحسن الثاني سمح للموساد بفتح مكتب له في المغرب، وأن الجيش الإسرائيلي اضطلع، بتنسيق مع الجنرال المغربي محمد أوفقير، بتدريب جنود وضباط مغاربة، كما قدم الجيش الإسرائيلي الدعم لنظيره المغربي خلال حرب الرمال التي خاضها المغرب ضد الجزائر. التنسيق الأمني المغربي الإسرائيلي سينكشف للجميع بعد تورط الموساد في اختطاف واغتيال المعارض المغربي المهدي بنبركة الذي كان قد عبر عن رفضه الحرب على الجزائر. ومنذ 1963، دخلت العلاقات المغربية الجزائرية في حالة حرب باردة، تخللتها حروب ومناوشات عسكرية، لازالت قائمة إلى اليوم حيث العلاقات الدبلوماسية منقطعة منذ غشت 2021، والحدود مغلقة منذ غشت 1994. 

في سبتمبر 1969، قاد الكولونيل معمر القذافي انقلاباً على الملك إدريس السنوسي في ليبيا، وانحاز منذ البداية إلى المحور القومي الاشتراكي بقيادة الرئيس المصري جمال عبد  الناصر، ما جعله يكون حليفا للجزائر، وخصما لتونس والمغرب الذين وطدا علاقتهما مع عشر الغربي وخصوصا فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. في يونيو 1977، وبعدما أعلن الرئيس المصري أنور السادات رفضه الاستمرار في فكرة الوحدة مع ليبيا التي كان القذافي متحمسا لها. كان الرئيس السادات حينئذ يحضر لزيارته إلى إسرائيل ولتوقيع اتفاقية كامب ديفد للسلام معها. أمام ذلك سيأمر القذافي حوالي ربع مليون مصري يعملون في ليبيا بمغادرة البلاد، وبالمقابل سيدعو الليبيين إلى مسيرة أطلق عليها اسم “مسيرة نحو القاهرة”، من أجل إسقاط الحدود التي كان يراها معيقة لنهضة الشعوب العربية وسببا أساسيا في تفككها. وفي 21 يوليوز 1977، نشبت مناوشات مسلحة بين الجيش الليبي والمصري على الحدود بين البلدين، ما فتئت أن أعقبتها غارات جوية مصرية على قاعدة جمال عبد الناصر الجوية الليبية، كلفت الجانبين خسائر في الأرواح والعتاد. بعد أربعة أيام من المواجهات العسكرية، تمت تهدئت الأمور بوساطات عربية وأمريكية. 

في يناير 1974 سيسعى القذافي مجددا إلى وحدة أخرى مع تونس تحت مسمى “الجمهورية العربية الإسلامية”، ستُمنى بدورها بالفشل، ليتحول القذافي من أكبر زعيم عربي يطمح للوحدة، إلى أكبر مزعزع لاستقرار المنطقة، حيث مول وسلح المعارضين اليساريين والإسلاميين للرئيس بورقيبة. بل لقد وصل الأمر بالقذافي إلى السعي لإشعال ثورة في تونس ومحاولة اغتيال الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة في يناير 1980. كما أن القذافي ساهم بداية من ماي 1973 في تأسيس وتدريب وتسليح جبهة البوليساريو المطالِبة باستقلال الصحراء الغربية عن المغرب، كما سعى لقلب نظام حكم الحسن الثاني في أكثر من مناسبة. لكنه، بدءً من سنة 1983، وجد نفسه في عزلة إقليمية، بسبب تورطه في صراعات إقليمية أبرزها تدخله في التشاد وفي تونس، وفتور علاقته بالجزائر بسبب محاولة إقحامها في زعزعة استقرار تونس، الشيء الذي سيجعله يغير الوجهة، بشكل مفاجئ، نحو المغرب. هذا التقارب الذي بدأ في 1983 سيُتوج في غشت 1984 بتوقيع معاهدة وجدة بين القذافي والحسن الثاني، وتأسيس “الاتحاد العربي الإفريقي” الذي عقدت عليه آمال واسعة لتهدئة وتطوير العلاقات بين النظامين المغربي والليبي، وليكون منطلقا لتأسيس اتحاد مغاربي. لكن القضية الفلسطينية تدخلت مرة أخرى لقتل هذا الاتحاد بعد عامين من تأسيسه. 

فبعدما كشفت الصحافة الدولية انعقاد قمة سرية بين الملك الحسن الثاني ورئيس الوزراء الإسرائيلي شمعون بيريز، في غشت 1986 بمدينة إفران المغربية، قام امعمر القذافي بحل الاتحاد العربي الإفريقي، الذي كان المغرب يعول عليه لسحب اعتراف ودعم ليبيا للبوليساريو. وفي المقابل، عاد الدفء –في السنة نفسها- إلى العلاقات الليبية الجزائرية، التي كانت تجتاز حالة برود، حيث التقى القذافي الشاذلي بنجديد في عين أميناس، وأصدرا بيانا أكدا فيه «ضرورة تلبية حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير ونيل الاستقلال، خطوة ضرورية لبناء المغرب العربي». كما أصدر القذافي والرئيس السوري حافظ الأسد بيانا آخر، وصما فيه الحسن الثاني بالخيانة. بل إن القذافي سيعود للتخطيط لاغتيال الحسن الثاني، بتنسيق مع صبري خليل البنا، المعروف باسم أبو نضال، مؤسس مجلس فتح الثوري، بمبرر خيانة ملك المغرب لفلسطين وتحالفه مع إسرائيل. 

انكشاف اللقاء السري بين ملك المغرب ورئيس وزراء إسرائيل، سينعكس، أيضا، سلبا على علاقة المغرب بمنظمة التحرير الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات الذي رأى في لقاء الحسن الثاني وشمعون بيريز محاولة من ملك المغرب إيجاد حل لقضية الصحراء عبر التضحية بالقضية الفلسطينية، لذلك جرَّب ياسر عرفات، بعد ثمانية أشهر من هذا اللقاء، أن يضرب الحسن الثاني على الذراع التي توجعه، عندما استقبل محمد عبد العزيز، زعيم جبهة البوليساريو المطالبة بانفصال الصحراء الغربية عن المغرب، وعانقه في دورة المجلس الوطني الفلسطيني، في أبريل  1987 بالجزائر، وهو ما أخرج الحسن الثاني عن جادة صوابه، إذ وصل به الغضب حدَّ تهديد أي مغربي يدافع عن الفلسطينيين بتدنيس بيته بالنجاسة.  

لقد استمرّت القضية الفلسطينية، وطبيعة مواقف دول المغرب الكبير من إسرائيل، محددا وموجها لتحالفات هذه الدول طيلة مرحلة الحرب الباردة. وعندما اعتقد الجميع أن انهيار المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفييتي، وقيام النظام العالمي الجديد، وما أعقبه من اتفاقيات سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وأساسا اتفاقية أوسلو، وكذا اللقاء العابر بين الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك على هامش جنازة الملك الحسن الثاني في يوليوز 1999، وما أُعطي لهذا اللقاء العابر من تأويلات لصالح تطبيع العلاقات بين الجزائر وتل أبيب، فلا شيء أثر في موقف الجزائر لتغير موقفها من إسرائيل، بل إنها ستغير، لاحقا، موقفها من المغرب وستعلن القطيعة الديبلوماسية معه، بسبب تطبيعه مع إسرائيل. وهي القطيعة التي لازالت سارية إلى الآن.  

ختاما، لقد ظلت القضية الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، منذ ما قبل استقلال البلدان المغاربية، وإلى أيامنا هذه، محددا ومؤثرا في تطور وتدهور العلاقات الدبلوماسية بين الدول المغاربية التي لا يختلف أحد على أن تشتتها وعدم قدرتها على بناء اتحاد سياسي واقتصادي، يؤثر سلبا على الوضع التنموي لشعوبها. لقد أثبتت الأنظمة الحاكمة في البلدان المغاربية الخمسة فشلها في إنجاح حوار غير مثقل بظلال الماضي وصراعاته وروافد الإيديولوجيا. فهل يكون بمقدور حوار مجتمعي – 

مدني، بين مثقفي هذه البلدان ونخبها المدَنية المستقلة عن السلطة، وضمنهم المثقفون 


سليمان الريسوني، صحافي وكاتب مغربي، كان رئيسا لتحرير جريدة “أخبار اليوم”، آخر الجرائد الورقية المستقلة في المغرب، والتي أغلقت بعد اعتقاله في 2020. 

Share this article:

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email

Related Posts

In Brief

Latest News

Our monthly analysis on diplomacy, mediation and conflict resolution is trusted by scholars, leaders and researchers from around the world.

By signing up for Diplomacy Now, you can expect to receive expert analysis on mediation and conflict resolution straight to your inbox, every month.