قضية الصحراء والاشكال الديمقراطي في المغرب

عبد العزيز العبدي*

في العاشر من نوفمبر 2025، تم استدعاء زعماء الأحزاب السياسية من طرف الديوان الملكي إلى اجتماع استشاري حول مبادرة الحكم الذاتي. خرجوا جميعهم بنفس البيان. أشادوا بالحكمة الملكية، وتعهدوا بتقديم مذكراتهم “في أقرب الآجال”. لم يُسأل أحدهم عن رأيه قبل ذلك. ولم يُنشر أي محضر للاجتماع. كان القرار قد تم اتخاذه، ويبدو أن الاستشارة جاءت كتزكية لا كمشاركة.

منعطف دولي جديد بعد القرار 2797

المغرب يخوض اليوم أكثر مراحل ملف الصحراء إحراجًا في تاريخه الحديث. منذ قرار مجلس الأمن 2797 الذي صدر في أكتوبر 2025، والذي وصف المبادرة المغربية للحكم الذاتي بـ”الحل الواقعي القابل للتطبيق”، دخل الملف منعطفا جديدا.

انعقدت جولة مدريد في فبراير 2026 جمعت، للمرة الأولى منذ عقود، وزراء خارجية المغرب والجزائر وجبهة البوليساريو وموريتانيا في قاعة مفاوضات واحدة، تحت إشراف أمريكي مباشر، وتمت برمجة جولة أخرى في واشنطن في ماي 2026 قد تُفضي إلى “اتفاق إطار” يُعيد رسم ملامح المنطقة بأكملها.

يُسجَّل للمغرب هنا تقدّم دبلوماسي ملموس، وإن كانت نتائجه النهائية لم تتضح بعد. لكن السؤال الذي لا يُطرح في المغرب هو: من الذي يقرّر في ملف القضية الوطنية؟

تقليد غير مكتوب: احتكار القرار

ثمة تقليد راسخ في تدبير هذا الملف. منذ المسيرة الخضراء عام 1975، ظلت قضية الصحراء حكرًا على الديوان الملكي. ليس بنص قانوني، ولا بفصل دستوري صريح وواضح، بل بقاعدة غير مكتوبة يفهمها الجميع: ممنوع الاقتراب من ملف الصحراء.

إنه ملف لا يُناقش في البرلمان، ولا تناقشه الأحزاب السياسية، ولا تدرجه في برامجها الانتخابية. الصحافة تُغطيه بحذر شديد. المجتمع المدني يجهل تفاصيله. والباحثون الجامعيون الذين يتناولونه بمنهجية نقدية يجدون أنفسهم أمام سقف أكاديمي وسياسي منخفض جدًا.

 

انتصارات معلنة… وتفاصيل غائبة

النتيجة: قضية تمس السيادة والأرض والمستقبل تُدار بعقلية متكتمة. 37 مليون مغربي يسمعون دائمًا أن المغرب “انتصر دبلوماسيًا”، لكنهم لا يعرفون ما الذي جرى التفاوض حوله بالضبط، ولا ما الذي تم تقديمه مقابل ذلك الانتصار، ولا أين تقع الخطوط الحمراء التي لن يتنازل عنها المغرب.

ليس هذا تشكيكًا في الوحدة الترابية. الوحدة الترابية ليست موضع جدل هنا. ما هو موضع جدل مشروع هو كيفية تدبير هذه الوحدة الترابية، وطبيعة الثمن المدفوع في سبيلها.

 

صفقة 2020: قرار سيادي بلا نقاش عمومي

في ديسمبر 2020، اعترف ترامب بمغربية الصحراء. يتم الترويج على أن التطبيع مع إسرائيل كان هو المقابل. قرار اتُّخذ في مكتب مغلق، وأُعلن في تغريدة على منصة إكس، ووضع المغاربة أمام الأمر الواقع. لم تتم أي مناقشة في البرلمان. لم تُناقَش الكلفة السياسية والرمزية لهذا التطبيع علنًا. لم تُطرح البدائل.

وحين اندلع الجدل في بعض الأوساط الثقافية والسياسية، كان الرد الرسمي واضحًا: الدبلوماسية شأن سيادي محفوظ لجلالة الملك.

 

وثائق لم يقرأها أحد

في فبراير 2026، حين غادر الوفد الجزائري قاعة الاجتماع في مدريد من باب جانبي تفاديًا للمصورين، وحين أفادت التسريبات بأن المبادرة المغربية المحيّنة – 40 صفحة لم يقرأها المغاربة – باتت “الوثيقة الوحيدة على الطاولة”، احتفل الإعلام المغربي بانتصار جديد.

لكن لا أحد شرح للمواطن المغربي ما الذي تتضمنه تلك الصفحات بالتفصيل. ولا ما هي صلاحيات “اللجنة التقنية الدائمة” التي تأسست أو ستتأسس تحت إشراف أمريكي ـ أممي. ولا ما الذي يعنيه “اتفاق الإطار” المرتقب في واشنطن على أرض الواقع.

الانتصار الدبلوماسي حقيقي. لكن الغموض الديمقراطي حقيقي أيضًا.

 

الإجماع المُصنَّع والخوف من السؤال

في دراسات العلوم السياسية ثمة مفهوم يُسمى “الإجماع المُصنَّع”. هو حين تُقدَّم قضية جوهرية للرأي العام في صيغة لا تقبل النقاش: إما معنا أو ضدنا، إما وطني أو خائن.

في المغرب، يكفي أن تطرح سؤالًا عن آليات التفاوض في ملف الصحراء حتى يُصنَّف صاحبه في خانة المشككين في الوحدة الترابية. السؤال عن الثمن يُفسَّر على أنه تشكيك في المكسب. والمطالبة بالشفافية تُقرأ على أنها خدمة للخصوم.

هذا الاختزال خطير. لأنه لا يحمي الوحدة الترابية، بل يُضعفها على المدى البعيد.

 

السرية: ضرورة تفاوضية أم بنية سياسية؟

ثمة حجة يُستند إليها دائمًا: إن الإفصاح يُضعف أوراق التفاوض، وإن القضايا السيادية الحساسة تستوجب السرية الاستراتيجية. الحجة لها وجاهتها في مرحلة المفاوضات الحرجة. لكنها لا تُجيب عن أسئلة مشروعة:

لماذا السرية ما قبل التفاوض وما بعده أيضًا؟ لماذا لا يُناقش الإطار العام علنًا؟ لماذا لا تُقدَّم تقارير دورية للبرلمان عن مسار الملف؟

الجواب الحقيقي ليس في الاستراتيجية التفاوضية. هو في طبيعة النظام السياسي.

 

مواطن خارج غرفة المفاوضات

حين يجلس مسعد بولس، مستشار ترامب ومبعوثه الخاص، عبر طاولة التفاوض في مدريد أو واشنطن، يجلس بتفويض سياسي واضح. حين يجلس الوفد المغربي بقيادة وزير الخارجية، يجلس بتفويض ملكي مباشر غير قابل للنقاش أو المساءلة.

لا أثر للمواطن المغربي في غرفة المفاوضات هذه. لا مؤسسة منتخبة تمثله في هذا المسار. لا آلية للمراجعة اللاحقة. لا ضمانة بأن ما سيُوقَّع عليه سيُعرض يومًا ما على هيئة تمثيلية منتخبة بشكل فعلي لا بروتوكولي.

 

صورة مصغّرة لنقاش أكبر

الصحراء قضية وطنية وقضية حق وجغرافيا وهوية. لكن طريقة تدبير هذا الحق وتلك الجغرافيا وتلك الهوية هي في الحقيقة صورة مصغّرة للنقاش الأعمق حول نوع الديمقراطية التي يريدها المغرب لنفسه.

هي أيضًا صورة مصغّرة لنوع الديمقراطية التي يقترحها على مواطنيه في الإقليم الجنوبي.

وحين تُحسم قضية الصحراء – وهي ستُحسم في نهاية المطاف – سيبقى السؤال قائمًا في ذاكرة الأجيال القادمة: هل كان المواطن المغربي شاهدًا على تاريخ بلاده، أم شريكًا في صنعه؟

الفارق بين الإجابتين لا يقل أهمية، على المدى البعيد، عن نتائج أي جولة تفاوضية.

 

*عبد العزيز العبدي — كاتب وروائي ومقدم بودكاست “كلام غير عابر”، المغرب*

Share this article:

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email

Related Posts

In Brief

Latest News

Our monthly analysis on diplomacy, mediation and conflict resolution is trusted by scholars, leaders and researchers from around the world.

By signing up for Diplomacy Now, you can expect to receive expert analysis on mediation and conflict resolution straight to your inbox, every month.