مأساة سبتة بين فقدان الأمل في المغرب والدوافع الجيوسياسية

حسين مجدوبي، دكتور في الإعلام ومختص في العلاقات المغاربة-الأوروبي

تعتبر الهجرة من القضايا المطروحة بشدة في الأجندة الدولية لاسيما خلال العشرين سنة الأخيرة بعدما تحولت الى موضوع للنزاع والاستغلال السياسي بين الدول ووسط المجتمعات الغربية. وتأتي أحداث سبتة (مدينة شمال المغرب تحتلها اسبانيا) يوم 30 يوليوز 2026 لتبرز المظهر الجديد لهذه الظاهرة التي تأخذ أبعادا جيوسياسية مقلقة، وتشكل تحديا للمنتظم الدولي لما  يترتب عنها من إشكاليات.

كانت مشاهد عشرات الآلاف من المغاربة، 80 ألف وفق حكومة سبتة من شباب من وشيوخ وأطفال، صادمة، وهم يقتحمون الحدود بين سبتة والأراضي المغربية بحثا عن أمل في مستقبل أحسن، مستقبل لم يجدوه في وطنهم المغرب. كما كانت حصيلة الضحايا ب 141 غريقا وعشرات المفقودين، وهي  حصيلة مرعبة جدا. والمثير أن هذا الحدث غطى وقتها وطيلة أيام على أحداث كبرى مثل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. وكان تساؤل مختلف وسائل الإعلام الدولية هو: ماذا يحصل في بلد مثل المغرب سيحتضن كأس العالم رفقة اسبانيا والبرتغال سنة 2030؟ ذلك أنه لم يسبق في تاريخ الهجرة الحديثة لأسباب اقتصادية واجتماعية أن هاجر 80 ألف في يوم واحد، حدث جسد رغبة شعب في الرحيل من وطنه. وهذا يحدث لأول مرة في حين أن المتعارف عليه  أن الحاكم هو الذي يرحل. كان الرقم السابق للهجرة في يوم واحد من البانيا نحو إيطاليا يوم 17 مارس 1991 عندما تعرض البلد الصغير لانهيار اقتصادي. ومما زاد من الطابع الدرامي لمأساة سبتة ها أنها تحدث في وقت كل فرد تقريبا في هذا العالم يتوفر على هاتف-كاميرا لتأريخ أي حدث وبثه في  شبكات التواصل الاجتماعي. 

من النتائج الجيوسياسية المباشرة لمأساة سبتة، هو أن اليمين القومي المتطرف وحتى المحافظ في الغرب، وجد فيها الدليل الذي يبحث عنه لتعزيز خطابه المناهض للهجرة. ووقعت المأساة شهورا قليلة بعد صدور وثيقة الأمن القومي الأمريكي التي تحذر من الهجرة، وتفترض أن أوروبا ستفقد في ظرف عقدين طابعها الغربي المسيحي إذا لم توقف وصول المهاجرين. وكان أول المعلقين على أحداث سبتة، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب محذرا الشعب الأمريكي بأن فوز الديمقراطيين في الانتخابات الرئاسية سنة 2028 سيعني تكرار مأساة سبتة في صيغة مكسيكية، أي من المكسيك نحو ولايات الجنوب مثل كاليفورنيا وتكساس. مأساة سبتة عززت من الخطاب السياسي لليمين المتطرف في الغرب، لأنه حتى اليسار وجد نفسه في حرج، إذ كيف  سيدافع عن اقتحام جماعي يحمل طابعا سياسيا.

جيوسياسيا دائما، اعتبرت مختلف المخابرات الأوروبية أن الاقتحام الجماعي لسبتة يوم 30 يوليوز يشكل أول حرب هجينية ضد ما تعتبره الحدود الأوروبية، وتتساءل هل يمكن أن يتكرر هذا في حدود أوروبية أخرى من بيلاروسيا الى بولندا أو من تركيا نحو دول شرق أوروبا. 

وحول البحث عن تفسيرات سياسية،  لم يقدم المغرب تفسيرا واضحا حتى الآن، باستثناء تحميل شبكات مافيا تهريب المهاجرين المسؤولية. وألمحت وسائل إعلام قريبة منه الى الجزائر.  وفي الجانب الإسباني، تعددت الروايات بين الواقع وفكر المؤامرة. ويبقى التفسير الذي مال إليه غالبية المحللين الإسبان وفي الغرب عموما هو أن الاقتحام الجماعي لسبتة قد يكون عملية مدبرة من الدولة المغربية لأسباب تتعلق بنزاع الصحراء الغربية أو سبتة ومليلية. وهم في هذا يستشهدون بما وقع من اقتحام جماعي في مايو 2021 لسبتة، وكيف ألمح المغرب علانية حينئذ أن الأمر كان متعمدا بسبب موقف إسبانيا من نزاع الصحراء الغربية. وكانت مدريد قد عارضت سنة 2021 موقف الرئيس ترامب الذي دعم سيادة المغرب على الصحراء. وهذه المرة، تبدو رواية شبكات المافيا لتحريك أكثر من مائتي ألف شخص ضعيفة في دولة ذات حضور استخباراتي قوي في جميع مناحي الحياة.

فسر جزء من المحللين الإسبان نشرت الصحافة مثل الباييس والموندو آرائهم أن الاقتحام الجماعي ليوم 30 يوليوز هو أن الرباط تريد من خلال عملية الاقتحام الجماعي تذكير العالم بوجود سبتة ومليلية تحت الاستعمار الإسباني. وأن هذا الملف يجب أن يكون مماثلا للمفاوضات التي تجري بين لندن ومدريد حول مستقبل جبل طارق.  وتبنت وزيرة الدفاع مارغريتا روبلس هذه الأطروحة عندما خطابت المغرب بأنه يجب أن يدرك أن سبتة ومليلية اسبانيتين ولا يمكن المساس بهما. ولا تنقص الحجج لدعم هذه الأطروحة، مثل أن تزامن اقتحام سبتة حدث في الشهر نفسه الذي اتفقت مدريد ولندن على إزالة السياج الفاصل بين جبل طارق والأراضي الإسبانية. لكن هذا الدليل يفتقد للإقناع بحكم أن المغرب بدوره لا يطرح ملف سبتة منذ سنة 2010 تقريبا، فهو يفضل التركيز على الانتهاء من ملف الصحراء الغربية. 

لقد ترتب عن أزمة سبتة نتائج في علاقات المغربية-الإسبانية. لقد تسببت في تعزيز غياب الثقة بين المغرب واسبانيا. وتعزز من قوة التيار الإسباني الذي يرى في المغرب مصدر الخطر الحقيقي على الأمن القومي الإسباني. كما ستنعكس الأزمة سلبا على علاقات المغرب والاتحاد الأوروبي، مما ستفقد العلاقات الثنائية الكثير من جودتها. وتسببت أزمة سبتة في تعليق إيطاليا العمل باتفاقية شينغن مع إسبانيا حول تنقل المسافرين بدون مراقبة الجوازات. 

مهما كانت الأسباب السياسية وراء عملية الاقتحام الجماعي لسبتة والتي ستظهرمستقبلا، تبقى هناك  معطيات اجتماعية واقتصادية وسياسية تفسر وقوع مثل هذه المآسي في الماضي والحاضر وستتكرر مستقبلا. 

سوسيولوجيا، تبرز عدد من استطلاعات الرأي حول الهجرة ومنها الباروميتر العربي، أن ما بين النصف والثلثين من الشباب المغربي (وفق استطلاعات الرأي وكذلك الظرفية) يرغبون في الهجرة وعدم البقاء في المغرب. وفي مثال آخر، كشفت المفوضية الأوروبية أن المغاربة يحتلون المرتبة الثالثة بالنسبة لطالبي التأشيرة الأوروبية لكل مائة ألف مواطن، بعد تركيا وروسيا. هذه المعطيات السوسيولوجية، تبرز كيف أصبحت الهجرة الى الغرب ضمن الرهانات الأساسية في أجندة الشباب المغربي للبحث عن فرصة للعيش. وكشفت أشرطة الفيديو نشرتها وسائل التواصل الاجتماعي مثل فايسبوك كيف أن الذين دخلوا الى سبتة يوم 30 يوليوز شددوا على أن الفقر الفساد في المغرب هما السبب. 

 وهذه الرغبة الجامعة في الهجرة تؤكد وقائع أصبحت مثل المسلمات في مغرب العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين فهي تؤكد فقدان المغاربة، وخاصة الشباب،  الثقة في مشاريع التنمية التي تشرف عليها الدولة المغربية. كلما زاد حديث الطبقة الحاكمة عن مشاريع التنمية تفاقمت الفوارق الاجتماعية بشكل مخيف الى مستوى أن المغرب، قد يكون الدولة التي تشهد أعلى نسبة من الفوارق الاجتماعية في البحر الأبيض المتوسط.  لقد تحولت الطبقة الحاكمة في المغرب الى مزيج من الأوليغارشية والفيودالية في أسوأ نسخها، ويكفي إلقاء نظرة على ثروات مساعدي الملك محمد السادس وكبار المسؤولين في الدولة لمعرفة مدى الجمع بين السلطة والثروة في أبشع صورها. إن أسوأ ما يشهده المغرب هو وضع الطبقة الحاكمة لمشاريع التنمية تكون هي المستفيدة منها . انظروا الى الفائز بإنجاز  مشاريع احتضان المغرب لكأس العالم 2030، وانظروا من فاز بصفقات تنظيم كأس إفريقيا 2025. ولعل الأخطر هو إصرار الطبقة الحاكمة على اعتقال المنادين بالإصلاح بدل المتورطين في الفساد، وهي مفارقة خطيرة. إن هروب 80 ألف شخص الى سبتة، وغالبيتهم من المغاربة في يوم واحد، واستعداد مئات الآلاف الآخرين لمغادرة البلاد هو مظهر آخر لتطور الاحتجاج بعدما قمعت الدولة مظاهرات جيل زيد بعنف مبالغ فيه خلال سبتمبر 2025. 

تبقى أزمة سبتة بالمنعطف غير العادي في تاريخ المغرب  خلال العقود الأخيرة، إنها فشل حلم بناء الدولة الحاضنة لكل أبنائها التي توفر حلم الاستقرار وحلم العيش الكريم. ولعل أبرز تجليات هذا الواقع المر هو المفارقة  العجيبة التي شهدها المغرب يومي 29 و30 يوليوز 2026. خطب الملك محمد السادس يوم 29 يوليوز بمناسبة عيد العرش وتحدث عن مغرب الاستقرار والتنمية، وفي اليوم الموالي، 30 يوليوز توجه عشرات الآلاف من المغاربة يريدون الرحيل عبر منطقة مستعمرة من طرف إسبانيا بحثا عن مستقبل أحسن.



Share this article:

Facebook
Twitter
LinkedIn
WhatsApp
Email

Related Posts

In Brief

Latest News

Our monthly analysis on diplomacy, mediation and conflict resolution is trusted by scholars, leaders and researchers from around the world.

By signing up for Diplomacy Now, you can expect to receive expert analysis on mediation and conflict resolution straight to your inbox, every month.